نساء في ظل التكميم

نساء في ظل التكميم
شموخ الورد
ناشطة حقوقية

عُرفت المرأة اليمنية بالحكمة والشجاعة على مر العصور والأزمان، وكانت تحظى بمكانة اجتماعية في العرف اليمني مما حفظ لها حقوقها وكرامتها، فلما اندلعت الحروب والصراعات كان لها النصيب الأوفر في اضطهاد حقها وامتهان كرامتها، فتعرضت لانتهاكات كثيرة وصلت لحد القتل والاختطاف والاخفاء القسري في ظل تكميم لحقها في حرية الرأي والتعبير.

ولقد انتهجت أطراف النزاع منهجية التكميم ضد النساء، وبكل عدوان وظلم مارست عليهن أساليب وحشية استنكرها المجتمع اليمني التي خرجت عن عرفه وتقاليده، فقد اختطفت وأخفت الكثير من النساء، اللاتي تعرضن لأسوأ أنواع العذاب الجسدي والنفسي والتهديد والوعيد بأهلهن وأقاربهن بالأذى والأسى؛ فقد أشار فريق الخبراء الدوليين البارزين في 9/سبتمبر/2020م، والذي كان بعنوان (جائحة الإفلات من العقاب في أرضٍ معذّبة) إلى وجود شبكة سلسلة من المنشآت السرية والرسمية من المباني السكنية يتم فيها احتجاز النساء والفتيات، وتعرضهن للانتهاك الخطف والتعذيب بما في ذلك العنف الجنسي والحبس الانفرادي فضلا عن المعاملة السيئة الجسدية والنفسية. وقد تلقى فريق الخبراء تقارير موثقة تفيد باختطاف 279 امرأة وفتاة بلغ بعضهن 14 سنة، تم اختطافهن بمعزل عن العالم الخارجي.

ومما يؤيد ذلك قصة (أسماء ماطر العميسي) ذات ال 22 عاما، القابعة في السجن، والمحكوم عليها بالإعدام، وهي واحدة من قصص الانتهاكات والاعتداءات ضد النساء في اليمن من جراء الحروب والنزاعات، فقد اختطفت أسماء في 5/ أكتوبر/2016م وهي في طريقها إلى صنعاء، مع والدها واثنين من جيرانها، ووجهت لهم تهمة تشكيل خلية تجسس وتخابر، بعد أن أتهموا أسماء بقضية مخلة بالشرف لسفرها مع غرباء، وقد تعرضت أسماء للضرب واللكم أمام والدها على يدي احدى الشرطيات، وأُجبرت على مشاهدة الاثنين اللذين تعرضا للاختطاف معها وهما يتعرضان للتعذيب والتعليق والضرب في جميع أنحاء جسديهما. وفي 30/يناير/2018م أصدرت المحكمة حكما بإعدام أسماء والاثنان اللذان معها والحكم على والدها المسن البالغ من العمر 50عاما بالسجن عقدا ونصف، وقد أوقعت تهمة (فعل فاضح) عقوبة إضافية لأسماء ب 100 جلدة. وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية فإن من تحدثوا إلى أسماء في سجن صنعاء المركزي قالوا أن روحها المعنوية منخفضة للغاية وفي وضح صحي سيئ جدا وكما أن عليها دفع تكاليف القوت والكساء والمواد الصحية، ولا يزورها أهلها خوفا من الاختطاف.

حيث وقاست النساء الاختطاف في السجون من ضغوط نفسية شديدة لما تعرضن من إهانات واتهامات في شرفهن وأخلاقهن، ووصل ببعضهن أن تعرضن للاغتصاب، والتي شكلت صدمة كبيرة للمختطفة وأهلها، والذي كان بالنسبة لها أمرا فاضحا في أوساط مجتمع محافظ، مما أدى إلى تحطيم نفسيتها وفقدان ثقتها بنفسها وثقة أهلها بها الذين انكسروا بعد الاتهامات والسمعة التي حُطمت، حتى أن بعضهن حجزن أنفسهن بين جدران الانكسار بعد خروجهن من السجن. فتكممت نفسا وروحا.

وقد تحقق فريق الخبراء من حدوث ست حالات اغتصاب حيث تعرضت اثنتين من هؤلاء النساء إلى أشكال مختلفة من العنف الجنسي على امتداد فترة من الزمن، واُغتصبن ثلاث من هؤلاء النساء في أكثر من عشرين مناسبة. مما جعل المختطفات يدخلن في حالة نفسية سيئة جراء التعذيب الممنهج والمتعمد لإذلالهن وامتهان كرامتهن وتدمير نفسياتهن حتى أن بعضهن أقدمن على الانتحار، وذكر تقرير الخبراء أن عمليات الاغتصاب حطمت ارادة بعض الناجيات مترافقة مع العزلة والاذلال وأدت بهن إلى اليأس وزادت ميولهن للانتحار.
ناهيك عن التحقيق المصاحب للذل والمهانة والضرب والسب والشم الذي كان في ساعات متأخرة من الليل الذي سبب خوف وهلع شديدين لكونهن نساء أولا وأخيرا، وكذلك ما تعرضن له من منع لحقهن في الدفاع و توكيل محام أو السماح لأهلن بزيارتهن أو التواصل بهن، وكافة الحقوق القانونية الأخرى. هذا كله جعلهن في عزلة تامة عن أي دعم نفسي زاد الأمر سوءا وتعقيدا.

أما حالة الإخفاء فهي بحد ذاتها تسبب في تحطيم نفسي ذاتي مع كل الأفكار والهواجس التي قد تحيط بتلك المختطفة والمخفية قسرا وهي منقطعة عن العالم بأسره، وعن كل أسباب العيش الكريم، وكل أشكال العذاب والتنكيل في الداخل، وفي ظل كل الشكوك والظنون في الخارج. وقد عبَّر فريق الخبراء عن قلقه من استمرار تعرض الأفراد للاختطاف والإخفاء القسري إذ حقق الفريق في 21 حالة اختفاء ل 9 رجال و 12 امرأة، وذكر مثالا السيدة (خالدة الأصبحي) البالغة من العمر 53 عاما، والتي اختطفت في 11/ مايو/ 2018م وما زالت مخفية حتى وقت كتابة التقرير.

هذه الأمور كلها تجعل المختطفات في حالة نفسية سيئة للغاية في سجن ينعدم فيه أدنى معايير الاهتمام الصحي والنفسي، فتتدهور الحالة الصحية والنفسية للمختطفات داخل السجون، حيث ترتفع نسبة الاكتئاب والأمراض النفسية الأخرى مما يضطر بعضهن للذهاب إلى طبيب نفسي عند خروجهن، وقد تفتقد ذلك الكثيرات منهن للظروف المادية والاجتماعية المحيطة بهن.

وهذا ما أكده تقرير الخبراء حيث وصف تأثير الانتهاكات التي تعرضت لها النساء المختطفات أنه صدمة على المدى البعيد، حيث يبقى تأثيرها عليهن وعلى وعائلاتهن ومجتمعاتهن معقداً وشديداً على المستوى الجسدي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والجنساني، ففي الغالب لم يتوفر لهن العلاج الطبي أو اعادة التأهيل للمختطفات أثناء الاحتجاز وبعد الإفراج عنهن إلا إذا كان بإمكانهن تحمل الكلفة، وقد عانى بعضهن من القدرة للوصول إلى الخدمات المتعلقة بمجال العنف القائم على النوع الاجتماعي بسبب وصمة العار وعدم توفر متخصصين في ذلك.

وقد وصى فريق الخبراء في نهاية التقرير جميع أطراف النزاع إلى ضمان العدالة لجميع أطراف النزاع، والوقف الفوري لجميع أنواع العنف المرتكبة بحقوق المدنيين، واتخاذ التدابير اللازمة لحمايتهم، وضمان الإفراج الفوري عن جميع الأشخاص المحتجزين تعسفا، واحترام حقوقهم، والحل الفوري لشبكة مرافق الاحتجاز السرية، ووضع حد فوري لجميع أشكال العنف الجنسي ضد النساء، وأيضا العمل إلى إنهاء الإفلات من العقاب، وضمان المساءلة الكاملة عن انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان ومحاسبة الجناة. وتقديم الدعم المالي والطبي والنفسي والاجتماعي وتطوير برامج أكثر شمولا لدعم الضحايا واعادة تأهليهم.

وإضافة إلى ذلك فلا بد من اتخاذ الإجراءات اللازمة لحفظ حقوق المرأة السجينة من حفظ لكرامتها، وكفالة حقوقها في الدفاع عن نفسها وحقوقها القانونية الأخرى، وممارسة أنشطتها الطبيعية من التعليم، والصحة والتأهيل النفسي والمهاراتي في داخل السجن وخارجه.
وجميعا معا يدا بيد نحو مستقبل أفضل يحفظ للمرأة في اليمن حقها وكرامتها.