سجينات اليمن ..مجرمات ام ضحايا؟

سجينات اليمن ..مجرمات ام ضحايا؟

ياسر المليكي
محام ومدافع عن حقوق الإنسان


ذات صباح من صيف العام الماضي كنت في زيارة عمل الى سجن احتياطي محافظة تعز (السجن المركزي) مع عدد من الشباب، دلفنا الى القسم المخصص لسجن النساء، وجدنا القهر والالم باسطٌ على المكان، سجينات محشورات في غرف منفصلة عن بعضها، لا وجود لمكان واسع يجتمعن به للتهوية او الجلوس او للتشميس، وعند حلول الظلام فعلى السجينات ان يهجعن في محبسهن بلا ضوء او نور، ودورة المياه منفصلة تماماً عن المكان، بمعني انه مع حلول الليل لا يسمح للسجينات أن يترددن على دورة المياه، لأنه غير مرتبط او ملاصق بمكان احتجازهن، وانما في مكان منفصل، ويتطلب الوصول اليه في الليل ايقاظ حارسة قسم النساء لتفتح المكان لمرور السجينة الى دورة المياه، وهذا ما لم يتأتى لان حارسة المكان تعتبِر ذلك ازعاجاً لها، وبالتالي على السجينات ان يلتزمن السكون في الليل حيث لا ضوء ولا دورة مياه.
وانا أعيش وزملائي هذه المأساة التي نراها تذكرت ما كنت قد قراته في وقت سابق عن سجون، الخدمات فيها بمثابة خمس نجوم. ومن بينها واحد من أفخم السجون في العالم، سجن مركز العدل في Leoben في النمسا، حيث يُعامل فيه جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم بإنسانيه واحترام للكرامة المتأصلة في الانسان، ويُعطى لكل سجينة زنزانة واحدة بحمام خاص، ومطبخ صغير وجهاز تلفزيون، الى جانب الخدمة المتاحة للجميع من صالة رياضية مجهزة بالكامل، ومناطق ترفيه خارجية. قلت في نفسي اين نحن وأين أصبح العالم؟ إذا كانت النساء السجينات يعشن في الظلام ويمنع عنهن دورة المياه ليلاً!
قررت ومعي زملائي في تكوين مبادرة لعمل شي يحسن أوضاع هؤلاء السجينات، التقينا بإدارة السجن، اقترحنا بان يُفتح جزء من الجدار الى أقرب صالة لاماكن احتجاز النساء، وافقت الإدارة، تواصلنا مع مانحين محليين، توفرت التكاليف، وبدأنا العمل. قمنا بترميم الصالة القريبة لمكان احتجاز النساء بعد فتح ممر من محابسهن وحتى الصالة، فبدأت السجينات تلتقي في هذه الصالة بعد ان كن يعشن منفردات. وفرنا الكهرباء عبر الطاقة الشمسية (البديلة)، أضأنا غرف احتجاز النساء، ومع اول لمبة تضئ شعرنا ببهجة في وجوه السجينات. بقي موضوع حل مشكلة دورة المياه، للأسف لم نتوفق في حلها، وكان بودنا ان نستطيع، غادرنا واملنا ان يتوفر للسجينات دورة مياه ملتصقة بمحبسهن ليشعرن بالرضاء وبقليل من الكرامة التي اهدرت في غياهب السجن. لكن هل حلت السلطات مشكلة دورة مياه السجينات، اشك في ذلك!
هذه ليست المشكلة الوحيدة التي تواجه السجينات في تعز، وهي بالتأكيد مشكلة من عديد قضايا تواجه كل سجينات اليمن، اذ تفتقر سجون اليمن للكثير من المتطلبات التي تعتبر حقاً اصيلاً للسجناء، وعلى وجه التحديد السجينات، باعتبارهن من الفئات التي تحتاج الى رعاية خاصة واهتمام أكثر داخل السجون.
قانون السجون اليمني نص على الكثير من الحقوق التي يجب ان تُوفر للسجينات سواءً منها فيما يتعلق بتهيئة المكان من كل جوانبه ومرفقاته، وتوفير الاكل المدعم بالقيمة الغذائية، وايجاد رعاية صحية متكاملة عوضاً عن الرعاية الصحية الخاصة بالحوامل والمرضعات واولادهن، وتوفير التعليم للأميات، وإيجاد أماكن للترفيه والتثقيف، فضلاً عن الواجبات المتعلقة بتوفير الدعم النفسي، والتواصل بالعالم الخارجي، والسماح لأهاليهن ومحاموهن بزيارتهن، والكثير من الواجبات التي شرعها القانون اليمني. ومالم ينص عليه القانون اليمني فان الشرعة الدولية قد اقرته في كثير من المواثيق والمعاهدات أبرزها قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا) والتي كان من أبرزها وجوب التعامل مع المحجوز حريتهم بإنسانية واحترام للكرامة المتأصلة في الانسان.
باعتقادي ان الكرامة الإنسانية هي شعور بالرضاء وعدم الغبن، وان ما بين هذا الشعور ونقيضة مزاج ينبع من داخل الانسان بالراحة، لكني من واقع تجربتي القانونية كمحام، اجزم ان شعور الكرامة الإنسانية بات مسلوب من سجينات اليمن. صحيح ان المجتمع ينظر للسجينة كمجرمة لكن التعامل السلطوي الغاشم والغير واعِ رسخ من هذه القناعة لدى الكثير، وبالتالي فان اكثر ما تعانيه السجينات هو جرح الكرامة الإنسانية فيهن، فالكثير من القصص التي عايشناها لسجينات ممن يرفضن العودة لأهاليهن بعد انقضاء العقوبة المحكوم بها، لان اهاليهن لا يرغبون بعودتهن، ولا برؤيتهن، فالعار الاجتماعي الذي يتوهمونه لاصقاً فيهم بسبب سجن المرأة لا ينمحي الا بقتلها إن عادت من السجن، لذلك تفضل النساء السجينات عدم العودة الى اهاليهن والبقاء في السجن، او الانتقال الى دُور إيواء النساء التي كانت قائمة قبل هذا النزاع الذي تشهده اليمن.

إن ما يجب أن يدركه الجميع هو ان هؤلاء السجينات هن بالأساس ضحايا قهر المجتمع وتسلطه والفساد الذي نعيشه بشتى صوره، وغنيٌ عن القول ان السجون لم توضع من اجل العقاب وحسب بل من اجل التأهيل والتثقيف والتدريب، وفيما أصبحت الكثير من السجون في العالم مراكز اصلاح لا تزال في اليمن مراكز عقاب وحسب، وفوق ذلك هنالك عقاب اخر للسجينات داخل هذه السجون باعتبارهن نساء، إذ تحرم السجينات من الكثير من وسائل الصحة والتأهيل، فضلاً عن عدم حصولها على الحاجيات الأساسية التي تبقيها على قيد الحياة كإنسانة من غذاء ذات قيمة وماء صالح للشرب، ودورات مياه خاصة، ووسائل صحية، اما وسائل الترفيه وتوفير وسائل التواصل بالعالم الخارجي ووسائل المعرفة، فتلك حقوق تبدو بعيدة المنال في ظل هكذا وضع متأزم.
صحيح أن سلب الكرامة الإنسانية للسجينات وعدم حصولهن على حقوقهن في مراكز الاحتجاز كان قبل هذا النزاع الذي تشهده اليمن يعتبر محدود مقارنة بما تعيشه السجينات خلال النزاع المسلح، فإلى جانب الكثير من الحقوق التي لا تتوفر لهن في مراكز الاعتقال فان أطراف النزاع لا تتورع في استهداف السجينات بالسلاح، ففي العام الماضي قُتلت ست سجينات وأصيبت عشر اخريات تقريباً في سجن احتياطي تعز إثر قذيفة اصابت مكان احتجازهن في السجن. هذه الجريمة هي كاشفة لحجم البشاعة التي يُعامل بها السجينات في اليمن.
لا توفر السلطات في اليمن سواء منها الحكومية او سلطات الامر الواقع في صنعاء وعدن، للسجينات الكثير من الحقوق الواجبة لهن، هذا استنتاج يدركه الكثير من مرتادي السجون، سيما منهم القانونيون، يكفي ان السجينات يشعرن بانتقاص كبير في كرامتهن الإنسانية، ليس من جانب المجتمع وحسب، بل من محيطهن داخل السجون من الطواقم التي تدير هذه السجون، والتي تتعامل مع السجينات كمجرمات يستحقن العقاب، لا كضحايا يجب تأهيلهن واصلاحهن للعودة الى المجتمع دون عُقد نفسية ولا حواجز اجتماعية.
الواجب اليوم هو استشعار المسؤولية تجاه السجينات، والعمل من اجل نيل حقوقهن، بدءً بتأهيل الكادر المسؤول عن السجون مروراً بمؤسسات انفاذ القانون والقضاء التي ترى في السجينة جرماً لا يغسله العقاب، وانتهاء بالسجينات اللواتي يكتظ بهن السجون، ويُحرمن من كثير من الحقوق الواجبة لهن، إذ أن التعامل اللا انساني معهن يؤشر الى اخراج نساء عنيفات الى المجتمع وناقمات عليه، وسيعملن كل شيء من اجل الانتقام لأرواحهن المكسورة.