سجينات الأجساد لا سجينات الأفكار

سجينات الأجساد لا سجينات الأفكار

( فاطمة.م )

سجينة سابقة

لم أكن الوحيدة التي تعرضت للطلاق وانهيار الأسرة لمجرد دخولي السجن في قضية نصب واحتيال كنت أنا ضحيتها، ووجدت نفسي وحيدة معزولة تنتابني الهواجس حول أب نائي وكيف سيكون مصيرهم في غيابي؟ وكيف سأمضي هذه الأيام الصعبة خلف الجدران المغلقة؟ حيث يضيق المكان.. ويمتد الزمان وكأنه بلا انتهاء.
كنت في بداية فترة احتجازي في بكاء متواصل؛ حيث لم يخطر ببالي يوما أن أكون نزيلة في سجن، ويطلقني زوجي ويشعر أبنائي بعار انتمائهم لي.. انهارت نفسيتي وشعرت بالتيه والضياع وخاصة مع تسلط السجينات القديمات على فهذه تأمرني بغسل ثيابها وأخرى تجبرني على ترتيب سريرها وأغطيتها.. وتذكرت تلك الأفلام التلفزيونية التي كانت تحكي عن واقع السجينات وقد كنت أظن ذلك فقط في عالم التمثيل حتى رأي ته وعايشته بنفسي.
كنت أتساءل هل سأقضي ما تبقى من عمري هكذا؟ وأسمح للفراغ أن ينهشني بذكريات الماضي، والشعور باليأس من الحاضر والمستقبل؟
وسرعان ما جاءت الانفراجة بإدارة جديدة للسجن.. فتحت لنا مجال الأنشطة والرياضة، وكم كانت دهشتي أن معمل الخياطة والأشغال اليدوية وكذا الفصول التعليمية موجودة منذ سنوات ولكن تفعيلها يخضع للشخصيات التي تتولى إدارة السجن.
أصبحت أشعر أن الإصلاحية صار لها من اسمها نصيب فعلا، فالأنشطة المقامة غيرت من مزاج السجينات بما فيهم تلك السجينات المتنمرات فانشغالهن بتلك الأنشطة جعلهن أكثر هدوء وانسجاما مع بقية السجينات.
فتحت لي تلك الأنشطة نافذة أمل بأنني حين أخرج من السجن لن أكون تلك العاجزة عن ممارسة أي مهنة، بل سأكتسب حرفة تساعدني في ترميم حياتي السابقة أو ابتداء حياة جديدة.. فالمعروف في بلادنا أن السجينة يرفضها المجتمع بعد خروجها وتلاحقها نظرات الاشتباه أينما ذهبت.
لم تعد الأيام ثقيلة كئيبة كما كانت؛ صار للصباح معنى جميل أنتظر فيه درس الخياطة بشغف كبير وأقوم بتدريس بعض السجينات أساسيات القراءة والكتابة.. وصارت تلك التفاصيل الصغيرة تدخل على حياتي الفرح والشعور بالإنجاز.
ورفعنا شعارنا في تلك الفترة) نحن سجينات الأجساد.. لا سجينات الأفكار (وقد فتحنا لأفكارنا آفاق الإبداع وتلوين أيامنا في السجن رغم المحنة التي نعيشها.
وظللنا على هذا الحال قرابة العام، ثم تغيرت إدارة السجن وعدنا إلى الحلقة الأولى، حلقة الفراغ الذي يفترسنا بكل مساو ئه فتم إغلاق باب الأنشطة مرة أخرى وعادت مشاكل التنمر في السجن ليس فقط على السجينات الضعيفات بل حتى على بعض الكوادر الأمنية التي لم تتحصل على تدريب كاف يؤهلها للعمل في هذه المنشأة.
وفي تلك الأثناء صدر حكم بالإفراج عني فتركت السجن وأنا أشعر بالفرح الشديد لنيلي الحرية والبراءة من التهمة ويخالط شعور الفرح هذا شع ور بالحزن على بقية زميلاتي من السجينات اللاتي ستضيع أيامهن وسني أعمارهن في سجن يحاصره الفراغ والظلام.