التمييز النوعي والظلم المجتمعي ضد السجينات في اليمن

التمييز النوعي والظلم المجتمعي ضد السجينات في اليمن
أحمد عبد الله الذماري
ناشط حقوقي


بسبب الاضطهاد الذكوري الذي تعاني منه النساء في اليمن والتسلط الاسري القائم على العرف المجتمعي الذي جعل من المرأة "عيب" يجب على الاسرة ان تواري هذا العيب في الظلام مما رسم للمرأة أدوار ثانوية في الحياة نتج عنة ان أصبحت المرأة رهينة الجهل والفقر والعوز المادي هذا التمييز النوعي للمرأة من قبل المجتمع كان أحد اهم الأسباب لولوج بعض النساء عتبات السجون إضافة الي ظروف خاصة ببعض النساء.
أذا تعرضت امرأة للسجن في اليمن فقد حكم عليها بالنفي من الحياة وان سجنت بشبهة، فينظر اليها المجتمع بدونية و يتخلى عنها أقاربها بل يعتبرونها عار يجب التخلص منه و خصوصا اذا كانت التهمة تتعلق بالشرف، و اذا كانت السجينة متزوجه و لها أولاد فيتم حرمانها منهم و يمنع أطفالها من الاقتراب منها حتى بعد خروجها من السجن و تطلق من زوجها و تصبح منبوذة وتحرم من الزيارات و لهذا نجد معظم النساء السجينات تمر عليها الأشهر و السنوات دون أن يزورها أحد، لا يوجد توبة و لا تسامح لها من المجتمع عكس اقرانهن من الذكور المسجونين الذين يجدون تعاطف و مساندة و غفران من المجتمع و بالذات من الاهل، ولهذا تفضل معظم السجينات المكوث في السجن و عدم الخروج منه بعد انقضاء مدة حبسها، لقد تملكها الخوف من المجتمع الذي جرمها و يرفض تقبلها بعد خروجها من السجن و ينظر اليها بريبة و توجس ويأبى اندماجها به كونها سجينة سابقة، و حتى أهلها و اقرب المقربين لها يتبرؤون منها و قد يقتلونه ا اذا وجدوها امامهم حرة طليقة، و للأسف هذه النظرة القاتلة تفرض عليها الانعزال وتحرمها من الاندماج مع المجتمع و العودة الى الحياة الطبيعية فتجد نفسها وحيدة تعاني شطف العيش لا مأوى و لا سكن لها و لا تمتلك أي مهارات حرفية او مؤهلات علمية حتى ارباب العمل يحرصون على عدم توظيف سجينة سابقة فتسد أمامها أبواب الحياة الكريمة و امام هذا الرفض و الازداء المجتمع تتجه مجبرة الي السير في طريق الانحراف لتعود مرة أخري الي السجن.

و لا يوجد حسب علم كاتب هذه الاسطر سواء دار إيواء يتيم في العاصمة صنعاء يحتضن السجينات المفرج عنهن و تقطعت بهن سبل الحياة و تخلى عنهن أقاربهن إضافة الى إيواء ضحايا العنف المجتمعي والأسري اللاتي يلجأن للدار و يشرف على الدار و يديره اتحاد نساء اليمن و الحكومة اكدت اكثر من مره ان الرعاية اللاحقة للسجينات ليست من مسئولياتها بل من مسؤوليات منظمات المجتمع المدني و يقتصر مهام الحكومة على تأهيل السجينات داخل السجن و من المعروف أن مؤسسات التأهيل والإصلاح باليمن تفتقر لأبسط المقومات الأساسية فكيف ستكون هذه المؤسسات بعد الحرب و أيضا هل مازال هذا الدار موجود ام لا بعد الحرب التي اكلت الأخضر و اليابس.

ويمتد التمييز النوعي الجنساني ضد المرأة الى السلطة القضائية بجميع فروعها ففي مراحل التحقيق الأولي لدى الجهات الأمنية تتعرض المتهمة لمعاملة غير إنسانية وغير لائقة من تهديد وضرب وتعذيب، وأحياناً تتعرض للتحرش الجنسي، بل وتعامل لكونها امرأة في مختلف مراحل التقاضي وأمام مختلف الجهات على إنها مجرمة قبل صدور حكم قضائي يدينها، وتمكث السجينة في بعض الأحيان فترة من الزمن تمتد لسنوات داخل السجن دون استكمال التحقيق معها ودون حكم قضائي.

التزمت الجمهورية اليمنية على احترامها لحقوق الانسان وعدم التمييز والمساواة بين المواطنين ونصت المادة (41) من الدستور اليمني " على أن المواطنون جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة " و جعلت الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الانسان في مصاف النصوص الدستورية حيث أكدت المادة (6) من الدستور على تأكيد الدولة على " العمل بميثاق الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان وميثاق جامعة الدول العربية وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة" و صادقت على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" في عام 1983 م و انضمت فعليا للاتفاقية في 3٠ مايو/أيار 1984 م و لكن نجد النصوص الدستورية في وادي و التطبيق الفعلي في وادي اخر، فبداية و مستهل التمييز النوعي للسجينات يكمن في عدم وجود سجون خاصة للنساء وإنما أقسام تتبع الاصلاحيات المركزية في جميع محافظات الجمهورية التي أسست و أنشئت اصلاَ لتكون سجون مركزية للرجال، و من مظاهر التمييز عدم توفر الخصوصية في التحقيقات فجميع المحققين مع النساء المتهمات رجال ولا يوجد مختصات نساء في النيابات وفي البحث الجنائي للتحقيق، الأمر الذي لا يحافظ على خصوصية السجينة فيما يتعلق بتفاصيل قضيتها ، و من مظاهر التمييز حرمان السجينة من تنصيب محامي يدافع عنها تتحمل الدولة تكاليف المحامي المنصب حسب ما تنص علية القوانين النافذة، و يرجع ذلك لعدم قدرة معظم السجينات على دفع تكاليف المحاماة و تخلي كثير من الاسر عن السجينات و متابعة قضاياهن، الى جانب تدني مستوى الوعي القانوني لديهن، مما يقلل من فرصهن في الحصول على الحماية القانونية، و من أشكال التمييز النوعي أيضا أن الخلوة الشرعية مطلب وحق شرعي يعطى للسجناء الذكور و يحرم و يمنع على السجينات الاناث ، و أيضا يتم إهمال تطبيق الأحكام الصادرة ضد السجينات و خصوصاَ عندما يحكم ببراءتهن وتنتهي فترة العقوبة، وتظل السجينة داخل السجن دون أن يفرج عنها، و من ابرز مظاهر التمييز النوعي الذي يمارس على النساء السجينات أن هناك قانون عرفي يتم العمل به في جميع السجون الخاصة بالنساء في اليمن و هو اشتراط عدم اطلاق المرأة المسجونة التي قضت فترة عقوبتها الا اذا جاء اقاربها لاستلامها و الا تظل مسجونة و هذا الاجراء مخالف لقانون السجون اليمني الذي ينص في المادة (11) منه على أنه " يجب على ادارة السجن .. ان تفرج عن المسجون صباح نفس اليوم لانتهاء مدة السجن المنصوص عليها في الحكم".

الى جانب اشكال ومظاهر التمييز النوعي الذي تعاني منه السجينة في اليمن هناك مظالم خاصة تتعرض لها السجينة دون المساجين من الذكور تتمثل بعضها في غياب قسم خاص بالولادة ورعاية الحوامل، وأيضا بعد الولادة تعاني السجينة ورضيعها من سواء التغذية فلا يوجد تغذية خاصة كونها ام مرضع ولا لصغي رها انما يكون غذائهم نفس التغذية العامة لبقية السجينات.

مع اندلاع الحرب في اليمن اتسعت رقعة الانتهاكات الممارسة ضد النساء وبالذات السجينات ورافق اتساع نطاق الحرب وازدياد شراستها ظهور جرائم لم تكن موجودة في اليمن أمثال اعتقال النساء من المعارضات السياسيات وتلفيق تهم أخلاقية بهن واخفائهن قسرياَ لمدة أشهر، و استحدثت معتقلات سرية تمارس فيها ابشع الانتهاكات ضدهن، و بحجة عدم الولاء استبدلت النساء القائمات على سجون النساء بأخريات مضمونات الولاء و لكنهن لا يتمتعن بأي مؤهلات علمية ولا يمتلكن المستوى الأدنى من الخبرة في الإشراف والإدارة، ويمارسن أبشع الانتهاكات بحق النساء السجينات ، و اصبح للنساء المعينات حديثاَ سلطة واسعة و ليس عليهن جهة قضائية اشرافية فزاولن جرائم و انتهاكات جسدية و نفسية متعددة ضد السجينات دون رادع او خوف من عقاب ، و على الرغم من شحة الخدمات ذات الطابع الأساسي التي كانت تقدم في الاصلاحيات كالرعاية الصحية والاجتماعية الا انها بسبب الحرب توقفت كلياَ مما أثر سلبياَ على السجينات ومنعت المنظمات المدنية و الحقوقية من زيارة السجون.

قاست السجينة في اليمن من اشكال متعددة من التمييز النوعي والظلم المجتمعي وتجاهل الحكومات المتعاقبة للانتهاكات التي تمارس ضدهن وجاءت الحرب لتزيد الطين بلة ولكن مع الامل والعمل وتكاتف الشرفاء ستنكشف الغمة ويسود العدل والسلام ونرى عصراَ تتمتع فيه المرأة بكامل حقوقها كمكون اصيل في النسيج الاجتماعي اليمني.